الشيخ محمد رشيد رضا
298
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
* * * ( 4 ) إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا إِنَّهُ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ بِالْقِسْطِ . وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ شَرابٌ مِنْ حَمِيمٍ وَعَذابٌ أَلِيمٌ بِما كانُوا يَكْفُرُونَ هذه الآية بيان للركن الثاني من أركان الدين وهو البعث بعد الموت والجزاء على الاعمال يقول تعالى إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً أي إلى ربكم دون غيره من معبوداتكم وشفعائكم وأوليائكم ترجعون جميعا بعد الموت وفناء هذا العالم الذي أنتم فيه لا يتخلف منكم أحد وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا أي وعد اللّه هذا وعدا حقا لا يخلف إِنَّهُ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ هذا بيان لمتعلق الوعد المؤكد مرتين بدليله ، أي ان شأنه تعالى ان يبدأ الخلق وينشأه عند التكوين ثم يعيده في نشأة أخرى بعد انحلاله وفنائه فالتعبير بفعل المستقبل ( يبدأ ) لتصوير الشأن وهو يشمل الماضي والمستقبل ، ولفظ الخلق عام يراد به الخاص أولا وبالذات ، بدليل ما قبله وما بعده من السياق ، وقد أجمع علماء الكون الماديون منهم والروحيون على أن الأرض وجميع الاجرام السماوية ما يرى منها بالابصار والآلات المقربة للابعاد وما لا يرى كلها قد وجدت بعد ان لم تكن ، وان كانوا لا يزالون يبحثون في نشأة تكوينها والقوة الأزلية المتصرفة في أصل مادتها ، كما أنهم متفقون على توقع خراب هذه الأرض والكواكب المرتبطة معها في هذا النظام الشمسي الجامع لها ، وعلى أن أقرب الأسباب الموافقة لأصول العلم الثابتة ان تصيب الأرض قارعة من الاجرام السماوية فتبسها بسا ، حتى تكون هباء منبثا ، كما تشير اليه سورة القارعة والواقعة وغيرهما فأما بدؤه فقد حصل بالفعل وأما اعادته فدليلها ان القادر على البدء يكون قادرا على الإعادة بالطريق الأولى ، كما قال في سورة الروم ( 30 : 27 وَهُوَ الَّذِي يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ ) الآية ومن المسائل المتفق عليها عند علماء الكون في هذا العصر - وهي تقرب إلى العقول عقيدة البعث - ان هذه الأجساد الحية